فخر الدين الرازي
241
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قال : والذي يدل على صحته : القرآن وأقوال المفسرين . أما القرآن : فقوله تعالى : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ فاطر : 30 ] . وأما أقوال المفسرين : فنقل عن علي رضي اللَّه عنه أنه قال : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة . وعن ابن عباس : أن الحسنى هي الحسنة ، والزيادة عشر أمثالها وعن الحسن : عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وعن مجاهد : الزيادة مغفرة اللَّه ورضوانه . وعن يزيد بن سمرة : الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول : ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم . أجاب أصحابنا عن هذه الوجوه فقالوا : أما قولكم إن الدلائل العقلية دلت على امتناع رؤية اللَّه تعالى فهذا ممنوع ، لأنا بينا في كتب الأصول أن تلك الدلائل في غاية الضعف ونهاية السخافة ، وإذا لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية اللَّه تعالى وجاءت الأخبار الصحيحة بإثبات الرؤية ، وجب إجراؤها على ظواهرها . أما قوله الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه فنقول : المزيد عليه ، إذا كان مقدرا بمقدار معين ، وجب أن تكون الزيادة عليه مخالفة له . مثال الأول : قول الرجل لغيره : أعطيتك عشرة أمداد من الحنطة وزيادة ، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة من الحنطة . ومثال الثاني : قوله أعطيتك الحنطة وزيادة ، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة غير الحنطة ، والمذكور في هذه الآية لفظ الْحُسْنى وهي الجنة ، وهي مطلقة غير مقدرة بقدر معين ، فوجب أن تكون تلك الزيادة عليها شيئا مغايرا لكل ما في الجنة . وأما قوله : الخبر المذكور في هذا الباب ، اشتمل على لفظ النظر ، وعلى إثبات الوجه للَّه تعالى ، وكلاهما يوجبان التشبيه فنقول : هذا الخبر أفاد إثبات الرؤية ، وأفاد إثبات الجسمية . ثم قام الدليل على أنه ليس بجسم ، ولم يقم الدليل على امتناع رؤيته ، فوجب ترك العمل بما قام الدليل على فساده فقط ، وأيضا فقد بينا أن لفظ هذه الآية / يدل على أن الزيادة هي الرؤية من غير حاجة تنافي تقرير ذلك الخبر ، واللَّه أعلم . واعلم أنه تعالى لما شرح ما يحصل لأهل الجنة من السعادات ، شرح بعد ذلك الآفات التي صانهم اللَّه بفضله عنها ، فقال : وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ والمعنى : لا يغشاها قتر ، وهي غبرة فيها سواد وَلا ذِلَّةٌ ولا أثر هوان ولا كسوف . فالصفة الأولى : هي قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [ عبس : 40 ] . والصفة الثانية : هي قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ [ الغاشية : 2 ، 3 ] والغرض من نفي هاتين الصفتين ، نفي أسباب الخوف والحزن والذل عنهم ، ليعلم أن نعيمهم الذي ذكره اللَّه تعالى خالص غير مشوب بالمكروهات ، وأنه لا يجوز عليهم ما إذا حصل غير صفحة الوجه ، ويزيل ما فيها من النضارة والطلاقة ، ثم بين أنهم خالدون في الجنة لا يخافون الانقطاع . واعلم أن علماء الأصول قالوا : الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [ يونس : 25 ] يدل على غاية التعظيم . وقوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ يدل على حصول المنفعة وقوله : وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ يدل على كونها خالصة وقوله : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع واللَّه أعلم .